نشوء البيان

دراسات قرآنية لغوية تاريخية آثارية

Untitled 1

لماذا الكعبة في وسط الوادي؟

جزيرة العرب لا توجد بها أنهار، فكلها أودية ذات سيول (قليلة أو كثيرة). ومعروف أن العرب لا يبنون بيتوهم في وسط الوادي، لأن من يفعل ذلك سيعرض نفسه وأهله وماله للسيول وللهلاك. فالسيل الجارف لابد أن يأتي فجأة[1] ويملأ الوادي ويتسبب في الضرر للبيت وأهله وما يحتويه. ولكن الله مع ذلك أمر إبراهيم عليه السلام أن يبني الكعبة وسط الوادي[2]. فلماذا؟

ولكي نعرف الحكمة، لنفترض جدلاً أن إبراهيم لم يضع الكعبة وسط الوادي، بل بناها بعيداً عن مجرى السيل كما تفعل العرب عندما يبنون بيوتهم (على جوانب الوادي وليس في وسطه، بعيداً عن مجرى السيل). فالذي سيحدث عبر الزمن، أن سكان مكة (لينالوا شرف الاقتراب من بيت الله)، سيتزاحمون على بناء بيوتهم حول الكعبة (التي افترضنا جدلاً أنها ليست في الوادي) وسوف يتنافسون تدريجياً على بناء بيوتهم بالقرب جداً منها ثم سيتقاتلون على ذلك. والنتيجة أن المساحة حول الكعبة خلال الزمن ستضيق وستختنق جداً (لكثرة بناء البيوت حول الكعبة) حتى لا يبقى منها شيء للمصلين وللطائفين[3].

ولذلك، وضع الله مانعاً تلقائياً يمنع سكان مكة من البناء قرب الكعبة. وهذا المانع الطبيعي هو خوفهم وحذرهم من السيل الجارف (الذي لابد أن يجتاح الوادي ويداهمهم فجأة)[4]. فمهما رغب سكان مكة في بناء بيوتهم قرب الكعبة ليتشرفوا بذلك، إلا أن قدوم السيل المتوقع سيفزعهم ضرره ويردعهم. وهكذا ظلت المساحة حول بيت الله، خالية فارغة من أبنية الناس بشكل كبير وكافي جداً لجموع العابدين والمصلين والطائفين[5].

وللمقارنة، فقد كان المعبد القديم مثلاً في الدول القديمة الكبرى كالعراق ومصر، محاطاً بسور كبير ضخم، ليمنعوا العامة من الدخول، وأيضاً لحجز وتوفير مساحة كافية كما خطط لها واحتاجها أصحاب المعبد (الملك وكهنته). ولولا سور المعبد (الذي حجز مساحة كبيرة للمعبد)، لتزاحم الناس حول المعبد يبنون بيتوهم في ساحة المعبد حتى لا تبقى أي مساحة يتحرك فيها الكهنة لأداء وممارسة طقوسهم. ولذلك لابد للكهنة من عمل سور عظيم يضمن بقاء تلك المساحة المطلوبة (هذا غير أن للسور أيضاً وظيفة أخرى وهي منع دخول العامة، فالمعبد كان للملك وخاصته وكهنته وليس للعامة).

أما بيت الله فحاله مختلف عن كل المعابد قبله، فهو ليس ممنوعاً عن أحد من الناس يرغب أن يعبد الله وحده. ولذلك لن يكون حول بيت الله سور ليحجز الأرض حوله لخاصة الناس ويمنع بقية الناس.

ولكن لهدف آخر، وهو ترك مساحة كافية حول بيت الله، لأجل الذين يأتون لعبادة الله وحده (وهم المصلون والطائفون والعابدون والعاكفون). ولأجلهم أمر الله إبراهيم ببناء الكعبة في وسط الوادي، وذلك لكي يمتنع قاطنو مكة من تلقاء أنفسهم، فلا يبني أحد بيته وسط الوادي ليقترب من الكعبة حباً لها وتشرفاً بها (لأن خوفه وحذره من السيل سيمنعه). وبذلك سيكف الناس تلقائياً عن بناء بيوتهم قرب الكعبة، وبالتالي لن تحدث مضايقة للمصلين والطائفين عند بيت الله، ولن يحدث خنق لحركة وسعي العابدين أثناء أداء مناسكهم حول بيت الله. 



[1]  أمطار مكة غير منتظمة وسيولها قد تأتي فجأة بقوة فيضانية عارمة جارفة لأيام متواصلة وقد تغرق الناس وتهدم منازلهم.

[2]  سفر نامه: وتشغل هذه المدينة الوادي الذي بين الجبال والذي لا تزيد مساحته عن رمية سهمين في مثلها والمسجد الحرام وسط هذا الوادي

[3] آثار البلاد وأخبار العباد: وأما المسجد الحرام فأول من بناه عمر بن الخطاب في ولايته، والناس ضيقوا على الكعبة، وألصقوا دورهم بها فقال عمر: إن الكعبة بيت الله ولا بد لها من فناء. فاشترى تلك الدور وزادها فيه واتخذ للمسجد جداراً نحو القامة، ثم زاد عثمان فيه

[4]  [أخبار مكة للفاكهي: ذكر سيول مكة في الجاهلية ويقال والله أعلم: إن وادي مكة سال سيلا عظيما في أول الدهر وذلك في زمن خزاعة، وإن ذلك السيل هجم على مكة، فدخل المسجد الحرام، وأحاط بالكعبة/ " جاء سيل في الجاهلية كسا ما بين الجبلين "]

[5]  أخبار مكة للفاكهي:  فجاء سيل فطبق البيت، فامتنع الناس من الطواف، فوقع ابن الزبير يطوف سباحة/ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام :ولم ير تلك الليلة طائف إلا ما سمع في السحر برجل يطوف بالعوم. فتعجب الناس من قوته وجسارته


حامد العولقي